منذ آلاف السنين والإنسان يتساءل عن السحر. هل هو قوة حقيقية؟ وهل يمكن لإنسان أن يؤثر في إنسان آخر فيعطل حياته أو يغير مسارها؟

القرآن لا ينفي وجود السحر، بل يذكره صراحة، ويقول: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. لكن الآية تضع حقيقة مهمة للغاية: السحر ليس قوة مطلقة، وليس كيانًا قادرًا على كسر قوانين الله أو السيطرة الكاملة على الإنسان. فلو كان كذلك لما قيد القرآن تأثيره بهذه العبارة.

وهنا يبرز سؤال آخر أكثر أهمية: إذا كان هناك من يحاول التأثير عليك، فهل يوجد داخلك ما يسمح لهذا التأثير أن يستقر؟

فالبذرة لا تنمو فوق الصخر، بل تحتاج إلى أرض تستقبلها. وربما يكون الأمر نفسه مع كل أشكال التأثير السلبية التي يتعرض لها الإنسان. فالإنسان الذي يعيش في خوف دائم، ويكرر الأفكار نفسها، ويسلك الطرق نفسها، ويستجيب للمشكلات بالطريقة نفسها رغم فشلها عشرات المرات، يصبح كأنه يدور داخل دائرة مغلقة. تتغير الأيام وتتغير الظروف، لكنه يظل يعيد السيناريو نفسه. نفس المخاوف، ونفس ردود الأفعال، ونفس التوقعات، ونفس النتائج. وكأن الحياة تتحرك بينما هو ثابت في مكانه.

ومن المثير أن القرآن عندما تحدث عن سحرة فرعون قال: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾. لم تقل الآية إنهم غيروا الحقيقة نفسها، بل أثّروا على طريقة رؤية الناس للحقيقة. وكأن أحد مفاتيح السحر هو الخوف. فالخوف يجعل الإنسان يرى الأشياء أكبر من حجمها، ويرى المخاطر أكثر من الفرص، ويرى العجز أكثر من القدرة، ويرى النهاية قبل أن تبدأ المحاولة.

ولهذا فإن الإنسان الذي يعيش أسيرًا للخوف يصبح سهل الانقياد لأي قوة تحاول أن تدفعه إلى مزيد من الخوف. أما الإنسان الذي يراجع أفكاره باستمرار، ويكسر أنماطه القديمة، ويجدد نظرته للحياة، فإنه يصبح أكثر صعوبة في التأثير عليه. فالجمود ليس مجرد عادة سيئة، بل هو نوع من الأسر.

والقرآن يلفت النظر إلى هذا المعنى عندما يقول: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾. فالمشكلة لم تكن في نقص المعلومات، بل في التمسك بنمط واحد من التفكير، وفي الاعتقاد أن ما اعتاد عليه الإنسان هو الحقيقة الوحيدة الممكنة.

وهنا قد يكون أحد أخطر أنواع السحر: أن يفقد الإنسان قدرته على رؤية البدائل. أن يصبح أسير فكرة واحدة، أو خوف واحد، أو جرح واحد، أو قصة قديمة يكررها لنفسه كل يوم. فيظن أن ما يعيشه قدر لا يتغير، بينما هو في الحقيقة يعيد إنتاجه دون أن يشعر.

ولو تأملنا حياة البشر سنجد أن هناك أشخاصًا يتكرر معهم المشهد نفسه بأشكال مختلفة. يدخلون العلاقات نفسها، ويقعون في الأخطاء نفسها، ويستجيبون للمشكلات بالطريقة نفسها، ثم يتعجبون من تكرار النتائج. وكأن هناك قوة تعيدهم دائمًا إلى النقطة ذاتها. وقد يكون جزء من هذه القوة خارج الإنسان، لكن جزءًا آخر قد يكون موجودًا بداخله، في صورة أفكار لم يراجعها، أو مخاوف لم يواجهها، أو أنماط قديمة لم يجرؤ على كسرها.

ولهذا فإن التحرر يبدأ عندما يستعيد الإنسان حركته. عندما يتعلم شيئًا جديدًا، ويجرب استجابة جديدة، ويخرج من دائرة التوقعات القديمة، ويكف عن تعريف نفسه من خلال جراحه ومخاوفه السابقة. فالشيء الراكد يسهل التأثير عليه، أما الشيء الحي فهو دائم الحركة والتجدد.

ولعل هذا أحد أسرار الذكر والدعاء والعبادة والتفكر. فهي لا تمنح الإنسان حماية روحية فقط، بل تعيده إلى حالة الحياة. إلى حالة الحضور. إلى حالة الاتصال بالله بدلًا من الاتصال المستمر بالمخاوف. فالقرآن لا يدعو الإنسان إلى أن يعيش مطاردًا بالهواجس، بل إلى أن يعيش متوكلًا، واعيًا، متحركًا، واثقًا بأن الله أكبر من كل ما يخشاه.

ولهذا قد لا يكون أقوى سؤال هو: من الذي فعل هذا بي؟ بل ربما يكون السؤال الأهم: ما الذي أحتاج أن أغيره في داخلي حتى لا يبقى لهذا التأثير مكان؟

فربما لا يستطيع الإنسان دائمًا التحكم فيما يأتيه من الخارج، لكنه يستطيع أن يوسع وعيه، ويجدد أفكاره، ويكسر أنماطه القديمة، ويعيد بناء علاقته بالله. وعندما يفعل ذلك، يصبح أكثر قوة من أن يُختزل في خوف، أو يُحبس داخل دائرة، أو يُعطل عن الحياة.

فالسحر – أيًا كان شكله – لا تكون هزيمته الحقيقية فقط بإزالة أثره، بل باستعادة الإنسان لقدرته على الحركة بعد أن ظن أنه عالق، وعلى الرؤية بعد أن ظن أنه محاصر، وعلى الحياة بعد أن ظن أن كل الأبواب قد أُغلقت.