هناك سؤال ظل يشغلني: لماذا يحصل إنسان على نعمة واضحة ثم يعيش وكأنه يخاف أن يعترف بها، ولماذا يبدو أن بعض النعم تُستنزف من الداخل قبل أن تُمسّ من الخارج، ولماذا نجد أشخاصًا يملكون أشياء يتمناها غيرهم لكنهم يعيشون معها كأنها قابلة للانطفاء في أي لحظة.

اعتدنا أن نضع الحسد في مكان واحد: الخارج، في عين الحاسد، لكن ماذا لو كان جزء من القصة في مكان آخر تمامًا، في الداخل، في علاقة الإنسان بما وهبه الله؟

عندما نقرأ القرآن نجد أن النعمة دائمًا تُنسب إلى الله، فهي عطية وفضل وهبة وليست مصادفة ولا امتلاكًا عابرًا. لكن السؤال الأعمق هو: هل كل من حصل على النعمة قد امتلكها فعلًا؟ أحيانًا يُعطى الإنسان شيئًا جميلًا لكنه لا يصدق أنه له، فيعيشه وكأنه مؤقت ويتعامل معه كأنه عارية وجودية، وفي داخله صوت خافت يقول: هذا أكبر مني، لا بد أن أفقده، أنا لا أستحقه. وهنا يحدث شيء أخطر من فقدان النعمة، وهو انفصال الإنسان عنها وهو ما زال يعيشها.

في علم الأحياء لا تتوزع الجزيئات على المستقبلات بالتساوي، فبعض المستقبلات تمتلك Affinity أعلى أي قدرة أكبر على الارتباط والاحتفاظ بالجزيء، وليس المهم فقط أن يصل الجزيء بل أن يجد مكانًا يستطيع أن يستقر فيه. وهنا يظهر التشبيه: ماذا لو كانت النعم تعمل بطريقة مشابهة رمزيًا؟ ماذا لو لم يكن السؤال من حصل على النعمة بل من استطاع أن يرتبط بها من الداخل، ليس امتلاكًا خارجيًا فقط بل ألفة داخلية تجعل النعمة تستقر في الوعي والهوية معًا، ما يمكن تسميته بالألفة الوجودية.

الحسد يُفهم غالبًا كأنه رغبة في امتلاك ما لدى الآخر، لكن أحيانًا يأخذ شكلًا أعمق من ذلك، ليس فقط "أريد ما عندك" بل "لا أريد أن يكون هذا لك". وهنا يتحول الحسد إلى محاولة لنزع الاستحقاق الرمزي للآخر، كأنه يقول: هذا لا ينبغي أن يستقر عندك أصلًا. لكن السؤال الأهم هو متى يجد هذا الشعور طريقه للتأثير، والطرح الذي أراه هنا أنه لا يعمل وحده بل يجد أحيانًا صدى داخليًا في صاحب النعمة نفسه، فالحاسد يقول هذه لا ينبغي أن تكون لك، وصاحب النعمة في لحظة ما يهمس داخله ربما فعلًا ليست لي، وهنا لا تكون المشكلة في الحسد وحده بل في هشاشة العلاقة بين الإنسان ونعمته.

امتلاك النعمة ليس ادعاءً ولا غرورًا، بل حالة قبول داخلي، أن تقول في أعماقك هذه هبة من الله وقد اختار أن تكون في حياتي وأنا أقبلها كما هي وأتعامل معها كجزء من واقعي لا كشيء مؤقت. النعمة التي لا تُعترف بها داخليًا تبقى دائمًا في حالة اهتزاز، حتى لو كانت مستقرة في الواقع.

لكن يوجد شكل أكثر خفاءً من الانفصال عن النعمة، ليس الخوف منها ولا الشك في استحقاقها، بل النفور الصامت منها. أحيانًا يضعنا الله في موقف أو يرزقنا شيئًا أو يمنحنا مسؤولية ثم نجد داخلنا مقاومة غير معلنة، قد نحب أولادنا لكن نشعر بثقل داخلي، قد نحصل على فرصة عظيمة لكن نشعر أنها تقيدنا، قد نعيش حياة جميلة لكن جزءًا منا يتمنى حياة أخرى. وهنا لا تكون المشكلة في النعمة نفسها بل في عدم وجود انسجام داخلي معها، كأن هناك جزءًا يقول بصمت لا أريد هذا بالكامل. وهذا الانقسام الداخلي يخلق حالة غريبة: امتلاك خارجي دون امتلاك داخلي، وحضور في الواقع دون استقرار في الوعي.

في النهاية ربما الفكرة ليست عن الحسد وحده ولا عن الآخرين، بل عن شيء أعمق: النعمة ليست ما يُعطى لك فقط بل ما تستطيع أن تعيشه دون مقاومة داخلية، وما تستطيع أن تعترف به دون خوف، وما تستطيع أن تقول له إنه جزء من حياتك. وربما الحاسد لا يصنع فقدان النعمة دائمًا لكنه قد يلمس موضعًا هشًا بالفعل، لكن الأخطر من سؤال من يحسدني هو سؤال هل أنا نفسي أستقر مع ما أعطاني الله، لأن الحاسد قد يقول هذه لا ينبغي أن تكون لك، لكن الخطر الحقيقي يبدأ عندما يوافق جزء من الداخل على الجملة نفسها، وربما لذلك فإن النعمة التي لا يتم استقبالها بالكامل تظل دائمًا في منطقة قابلة للاهتزاز، بينما النعمة التي تُعاش بقبول داخلي عميق تصبح أقرب إلى الاستقرار من أن تُنتزع.