نظنّ اللغة أداة نصف بها ما في داخلنا، كما نصف منظرًا من نافذة. لكنّ الفلسفة وعلوم الأعصاب تقتربان من فكرة أغرب: الكلمات لا تصف الجسد فقط، بل تدخل في صنعه.
شيء لا اسم له
كلّنا مررنا بها: إحساس في الصدر، أو ثقل في المعدة، أو توتّر بلا سبب واضح. نحاول أن نشرحه لطبيب أو صديق، فلا نجد الكلمة. ليس ألمًا تمامًا، ولا خوفًا تمامًا، ولا تعبًا تمامًا. نقول في النهاية: «فيّ شيء، لكنّي لا أعرف كيف أقوله».
نتعامل عادة مع هذه اللحظة كأنها مشكلة تواصل: الإحساس موجود وواضح في الداخل، والعيب في القاموس. لكنّ ما تقوله العلوم الحديثة أعمق من ذلك وأكثر إزعاجًا. ربما لا يكون الإحساس نفسه قد اكتمل بعد. ربما ينتظر الكلمة لكي يصير شيئًا محدّدًا.
الدماغ لا ينتظر: الجسد آلة تنبّؤ
الصورة القديمة للجهاز العصبي بسيطة: الجسد يرسل إشارة، والدماغ يستقبلها، ثم نشعر. لكنّ إطارًا واسع الانتشار في علوم الأعصاب اليوم، يُعرف بـالمعالجة التنبّئية، يقلب هذه الصورة. الدماغ، وفق هذا الإطار، لا يجلس منتظرًا الإشارات، بل يتنبّأ بها باستمرار، ثم يقارن تنبّؤاته بما يصله ويصحّح الفرق.
وهذا لا يخصّ العالم الخارجي فقط. فالدماغ يتنبّأ أيضًا بحالة الجسد من الداخل: نبض القلب، والتنفّس، والسكّر، والحرارة. يسمّي العلماء هذا الإحساس الداخلي الحسّ الباطني (interoception)، ويسمّون تنظيم الجسد استعدادًا لما سيحتاجه قبل أن يحتاجه التوازن الاستباقي (allostasis). الجسد لا يتصرّف بعد أن يقع الشيء فقط، بل كثيرًا ما يتصرّف قبل وقوعه.
هنا تأتي النقطة الحاسمة. إذا كان ما نشعر به هو «أفضل تخمين» يصنعه الدماغ عن حالة الجسد، فإن هذا التخمين يحتاج إلى فئات يخمّن بها. والكلمات من أهمّ هذه الفئات.
الكلمة تصنع الإحساس
تقترح عالمة الأعصاب ليزا فيلدمان باريت في نظرية العاطفة المُنشأة أن العواطف ليست دوائر جاهزة في الدماغ تنطلق وحدها، بل يبنيها الدماغ في اللحظة من إشارات الجسد ومن المفاهيم التي تعلّمها. القلب المتسارع والكفّان المبلّلتان قد يصيران «قلقًا» قبل امتحان، أو «حماسًا» قبل لقاء تنتظره. الإحساس الخام واحد تقريبًا، والمفهوم الذي يُقرأ به هو ما يحوّله إلى تجربة.
وتدعم هذه الفكرة مجموعة من النتائج:
- دقّة المفردات العاطفية: الأشخاص الذين يميّزون بين مشاعرهم بدقّة (ضيق، خيبة، غيرة، حنين) بدل الاكتفاء بـ«أنا متضايق»، يميلون إلى تنظيم انفعالاتهم بطرق أكثر صحّة تحت الضغط، كما تُظهر مراجعة نشرها كاشدان وباريت وماكنايت عام 2015.
- تسمية الشعور تهدّئه: في تجربة شهيرة لماثيو ليبرمان وزملائه (2007)، أدّى وضع كلمة على صورة وجه غاضب أو خائف إلى انخفاض نشاط اللوزة الدماغية، المنطقة المرتبطة بالاستجابات الانفعالية، مقارنةً بمجرّد النظر إليه. الكلمة لم تكن وصفًا محايدًا؛ كانت تدخّلًا في الجهاز العصبي.
- غياب الكلمات له ثمن جسدي: يسمّي الأطباء صعوبة التعرّف على المشاعر وتسميتها الأَلِكسيثيميا أو «عمى المشاعر» (alexithymia). وقد ارتبطت هذه الصعوبة في دراسات كثيرة بزيادة الشكاوى الجسدية غير المفسَّرة. كأن ما لا يجد طريقه إلى اللغة يبحث عن طريق آخر عبر الجسد.
فجملة «لا أعرف كيف أقوله» ليست دائمًا عجزًا عن التعبير عن شيء واضح. أحيانًا تكون وصفًا دقيقًا لحالة جسد لم يُعطَ بعد ما يكفي من المفاهيم ليفهم نفسه.
الكلمات تسكن الدماغ الحركي
إذا كانت الكلمات تشكّل الجسد، فالجسد بدوره يسكن الكلمات. في تجربة لأولاف هاوك وفريدمان بولفرمولر وزملائهما (2004)، قرأ المشاركون أفعالًا مثل «يركل» و«يلعق» و«يلتقط». فنشطت في أدمغتهم المناطق الحركية المسؤولة عن الساق والفم واليد على الترتيب. فهم الكلمة كان، جزئيًّا، محاكاة صامتة للحركة.
وعلى المستوى المجرّد، يرى اللغوي جورج لايكوف والفيلسوف مارك جونسون أن قدرًا كبيرًا من تفكيرنا مبنيّ على استعارات جسدية. نحن «نمسك» بالفكرة، و«نقع» في الحبّ، و«نرتفع» حين نفرح. والعربية غنيّة بهذا على نحو لافت: «ضاق صدري»، «انقبض قلبي»، «ثقل عليّ الأمر»، «انشرح صدري». وفي القرآن: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ \[الشرح: 1\]. هذه ليست زخارف لغوية. إنها خرائط يرسم بها الإنسان حالاته الداخلية بلغة المكان والحركة والضغط، أي بلغة الجسد نفسه.
هل تغيّر اللغة ما ندركه؟
هذا سؤال قديم يُعرف بـفرضية النسبية اللغوية، المرتبطة باسمي إدوارد سابير وبنجامين وورف. صيغتها القويّة، أن اللغة تحدّد ما نستطيع التفكير فيه، فقدت معظم مؤيّديها. لكنّ صيغتها المعتدلة، أن اللغة تؤثّر في الانتباه والإدراك، تجد دعمًا تجريبيًّا:
- في الروسية كلمتان أساسيتان منفصلتان للأزرق الفاتح والأزرق الداكن. وقد وجد جوناثان وينوار وزملاؤه (2007) أن متحدّثي الروسية أسرع في التمييز بين درجتي أزرق تقعان على جانبي هذا الحدّ اللغوي، وأن هذه الميزة تختفي حين تُشغَل قدرتهم اللغوية بمهمّة أخرى.
- لدى شعب كوك ثايوري في أستراليا، تُوصف الاتجاهات بالجهات الأصلية لا بـ«يمين» و«يسار». فيقال: «في ساقك الشمالية الغربية نملة». وقد أظهرت أبحاث ليرا بوروديتسكي أن المتحدّثين بهذه اللغة يحملون في أجسادهم إحساسًا دائمًا بالاتجاه يندر عند غيرهم.
لكنّ الصورة ليست في اتّجاه واحد. فقد لخّصت إيفلينا فيدورينكو وزملاؤها (2024) أدلّة على أن شبكة اللغة في الدماغ منفصلة إلى حدّ كبير عن شبكات الاستدلال والحساب، وأن مصابين بفقدان القدرة اللغوية الشديد يحتفظون بقدرتهم على التفكير المنطقي. اللغة إذن ليست هي الفكر. لكنها تُرهف الانتباه، وتقسّم المتّصل إلى أجزاء يمكن الإمساك بها، وتحدّد أيّ الفروق نلاحظها وأيّها يمرّ بنا دون أن نراه.
الفلسفة: الجسد الذي يتكلّم
سبقت الفلسفة العلم إلى كثير من هذه الأسئلة:
- فيتغنشتاين كتب في «الرسالة المنطقية الفلسفية» أن حدود لغتي هي حدود عالمي. ثم قدّم في أعماله المتأخّرة حجّة «اللغة الخاصّة»: نحن لا نتعلّم كلمة «ألم» بالنظر إلى داخلنا، بل من الآخرين، من سياقات مشتركة وسلوك يُرى. وهذا يفسّر صعوبة تسمية إحساس لم يعلّمنا أحد كلمة له؛ فالاسم يحتاج دائمًا إلى عالم مشترك.
- ميرلوبونتي رفض فصل العقل عن الجسد، ورأى أن الجسد ليس شيئًا نملكه، بل هو الطريقة التي نوجد بها في العالم. والكلام عنده ليس ترجمة لفكرة جاهزة، بل إيماءة جسدية تكتمل فيها الفكرة.
- فيغوتسكي لاحظ أن الطفل يتكلّم بصوت عالٍ ليوجّه أفعاله: «الآن أضع المكعّب هنا». ثم يتحوّل هذا الكلام مع الوقت إلى كلام داخلي صامت. اللغة التي بدأت حوارًا مع الآخرين تصير أداة ينظّم بها الإنسان جسده وانتباهه من الداخل.
- فاريلا وطومسون وروش في «العقل المتجسّد» (1991)، وأنطونيو داماسيو في فرضية «العلامات الجسدية»، وضعا الإدراك والقرار داخل حلقة لا تنقطع بين الدماغ والجسد والبيئة. فالتفكير، عندهما، ليس حسابًا يجري في رأس معزول.
تلتقي هذه التيّارات على فكرة واحدة: لا يوجد «داخل» نقيّ ننظر إليه ثم نصفه. الداخل نفسه يتشكّل في الحوار بين الجسد واللغة والآخرين.
لغة الخلايا: الجسد بوصفه نظامًا موجّهًا نحو أهداف
إذا كانت الكلمات تشارك في صنع ما نشعر به، فهل للجسد نفسه «لغة» يدير بها حالاته، قبل الوعي وبمعزل عنه؟
منذ منتصف القرن العشرين، أرست السيبرنطيقا مع نوربرت وينر وروس آشبي فكرة بسيطة وعميقة: أيّ نظام يقارن حالته الحالية بمرجع ما، ثم يعمل على تقليل الفرق بينهما، يتصرّف كأن له هدفًا، حتى لو لم يكن واعيًا. حرارة الجسم، وسكّر الدم، وضغط الدم كلّها تعمل بهذه الطريقة. ويسمّي علماء الأحياء هذا السلوك الغائية الظاهرية: توجّه نحو هدف بلا نيّة.
لكنّ الأبحاث الحديثة تذهب أبعد من الحرارة والسكّر، إلى الشكل نفسه. ففي مختبر مايكل ليفين بجامعة تافتس، تبيّن أن الخلايا لا تتواصل كيميائيًّا فقط، بل كهربائيًّا أيضًا، عبر فروق في الجهد تشكّل أنماطًا تمتدّ على أنسجة كاملة:
- في دراسة لفالون دورانت وزملائها (2017)، عطّل الباحثون الشبكة الكهربائية الحيوية في ديدان البلاناريا لفترة قصيرة، ثم قطعوها. فنما لنحو ربع الأجزاء رأسان بدل رأس وذيل. والأغرب أن الديدان التي بدت طبيعية، حين قُطعت مرّة أخرى بعد أشهر في ماء عادي، أعطت النسبة نفسها من الرؤوس المزدوجة، دون أيّ تغيير في جيناتها. وصف الباحثون ذلك بأنه «ذاكرة نمط» مخزّنة في الشبكة الكهربائية للخلايا.
- وفي دراسة لنيروشا موروغان وزملائها (2022)، وُضع على ساق ضفدع مبتورة غطاء يحمل خليطًا من خمسة أدوية لمدّة أربع وعشرين ساعة فقط. وعلى مدى ثمانية عشر شهرًا بعد ذلك، نمت ساق شبه وظيفية، وإن نقصتها بعض التفاصيل. لم يعطِ الباحثون الخلايا تعليمات بناء الساق؛ حرّكوا قدرة كانت موجودة فيها أصلًا.
من هنا تولد فرضية جريئة: ربما لا تكون الإشارات الكيميائية والكهربائية التي نعرفها هي «الرسالة» نفسها، بل وسائط تحمل معلومات أكثر تجريدًا عن الحالة التي يحاول النظام الوصول إليها أو استعادتها. كما تحمل الموجات الصوتية جملة، دون أن يكون قياس تردّدها فهمًا لمعناها.
من أين يأتي الهدف؟
إذا كانت الخلايا تعود إلى شكل أو وظيفة معيّنة، فمن أين تأتي «الحالة المرجعية» التي تقارن بها نفسها؟ هذا من أكبر الأسئلة المفتوحة في علم الأحياء، والإجابات المطروحة متعدّدة:
- التطوّر كتبها: ملايين السنين من الانتقاء أبقت الأنظمة التي «تعرف» إلى أين تعود.
- ليست مخزّنة في مكان واحد: قد تكون «جاذبًا» ينشأ من تفاعل الشبكة كلّها، كما في صورة «المشهد الجيني» عند كونراد وادينغتون: كرة تتدحرج نحو أخفض وادٍ، والوادي لا يحتاج أن يعرف شيئًا.
- مكتوبة في بنية أعمق: يقترح ليفين نفسه في كتاباته الأخيرة أن الأشكال الممكنة موجودة في ما يشبه فضاءً من الأنماط المجرّدة، تكتشفها الخلايا ولا تخترعها. وهذا طرح مثير للجدل بشدّة بين العلماء.
وهنا يلتقي العلم بالفلسفة. أرسطو سمّى هذا «العلّة الغائية»: ما يحمل الكائن نحو تمامه. لكنّ التاريخ يحذّر أيضًا؛ فعالم الأجنّة هانز دريش استنتج في أوائل القرن العشرين من قدرة الأجنّة على التعافي وجود «قوّة حيوية» غير مادّية، فتوقّف عن البحث. الدرس ليس أن السؤال خاطئ، بل أن الغموض لا يصلح دليلًا.
وفي القرآن آية تكاد تصف الحلقة كلّها: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ﴾ \[الأعلى: 2–3\]. «قدّر» هو الحالة المرجعية، و«هدى» هو التوجيه نحوها. ومن هذه الزاوية يصير السؤال: هل نخترع لغة التنظيم الحيوي، أم نكتشف شيئًا مكتوبًا في الحياة قبلنا، وقبل الذكاء الاصطناعي نفسه؟
الذكاء الاصطناعي: مترجم لا خالق
ربما لا تكون المشكلة أن الجسد لا يعرف كيف يصلح نفسه، بل أن وعينا لا يملك اللغة أو الواجهة التي تسمح له بالتواصل مع هذه الأنظمة الداخلية. وهنا يمكن أن يدخل الذكاء الاصطناعي، لا بوصفه خالقًا للقدرة، بل مترجمًا لها:
نيّة الإنسان باللغة ← الذكاء الاصطناعي يفهم المقصود ← يترجمه إلى إشارات بيولوجية مناسبة ← الجسد يستجيب بآلياته الموجودة أصلًا
لكنّ هذه السلسلة تحتاج إلى تعديل مهمّ. فنيّة الإنسان ليست هي الهدف الصحيح في الغالب: «أريد أن تُشفى ركبتي» لا تحدّد أيّ حالة خلوية يجب الوصول إليها، ونحن لا نعرفها أصلًا. الصيغة الأدقّ أن النيّة تعطي الإذن والاتجاه، وأن الذكاء الاصطناعي يقرأ أوّلًا الهدف الذي يحمله الجسد نفسه من إشاراته، ثم يساعده على بلوغه. أي أنه يتعلّم قراءة لغة الجسد قبل أن يكتب بها.
ونسخ بدائية جدًّا من هذه الحلقة موجودة اليوم: أنظمة الإنسولين ذات الحلقة المغلقة تقيس السكّر باستمرار وتترجم الفرق عن المستوى المستهدف إلى جرعات، والتحفيز العميق التكيّفي للدماغ يعدّل نفسه حسب إشارات المريض. وفي المقابل، يذكّرنا الجسد بأن أهدافه تتعارض أحيانًا بين المستويات: الخلية السرطانية تحقّق «هدفها» المحلّي بإتقان وتقتل الجسد، والمناعة الذاتية دفاع موجّه نحو الهدف الخطأ. فأيّ لغة تشغيل بيولوجية تحتاج أن تعرف أيّ مستوى تخاطب، وإلا صار التدخّل خطرًا حقيقيًّا.
المهمّ أن الفكرة ليست أن التفكير وحده يشفي الجسد. الفكرة هي البحث عمّا إذا كان ممكنًا اكتشاف لغة تشغيل بيولوجية حقيقية، تسمح بترجمة النيّة إلى تنظيم داخلي آمن ودقيق.
الاسم الأوّل
في القصّة القرآنية، أوّل ما مُيّز به الإنسان هو الأسماء: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ \[البقرة: 31\]. والتسمية هنا ليست وضع ملصقات على أشياء جاهزة، بل قدرة على التمييز والفهم، على أن يصير العالم مقروءًا.
وفي سيرة هيلين كيلر، الطفلة التي فقدت السمع والبصر، لحظة شهيرة تروي فيها كيف كانت معلّمتها تهجّي كلمة «ماء» بأصابعها في كفّها بينما يجري الماء البارد على يدها الأخرى. حينها فقط فهمت أن الحركة في كفّها اسم لما يلمس جلدها. وصفت تلك اللحظة بأنها يقظة. لم تتعلّم كلمة فقط؛ صار إحساس جسدها شيئًا يمكن أن تفكّر فيه.
السؤال: حين لا يوجد اسم بعد
إذا كانت الكلمات تصنع الإحساس، فماذا نفعل حين لا نجد الكلمة؟
هنا يأتي دور السؤال، وهو في رأيي اللغة الأولى فعلًا. فحين يغيب الاسم، يستطيع السؤال الجيّد أن يمنح الجسد مفردات بديلة:
- بدل «ما اسم هذا؟» نسأل: ما الذي تغيّر؟ متى بدأ؟ هل يصعد أم ينتشر أم يثبت؟
- بدل «هل هو ألم؟» نسأل: ما الذي يسبقه، وما الذي يليه؟
- بدل البحث عن تشخيص جاهز، نفصل ما نلاحظه عمّا نستنتجه.
كلّ سؤال من هذه يرفع دقّة الحسّ الباطني درجة. والأمر لم يعد شأنًا شخصيًّا فقط. ففي زمن صارت فيه أدوات الذكاء الاصطناعي تجيب عن أسئلتنا الصحّية والنفسية، تعطي هذه الأدوات جوابًا على قدر دقّة السؤال. من يملك لغة يصف بها جسده يحصل على عون أدقّ. ومن لا يملكها يحصل على «راقب الأعراض».
الخلاصة: اللغة جزء من الجهاز العصبي
اللغة ليست ثوبًا نلبسه فوق الجسد. إنها، بمعنى حقيقي، امتداد لجهازنا العصبي: تشارك في صنع ما نشعر به، وتوجّه انتباهنا، وتنظّم انفعالاتنا، وتحوّل الإحساس الغامض إلى تجربة يمكن فهمها والتعامل معها.
ولهذا فإن فقدان الكلمات ليس خسارة ثقافية فقط. حين نبسّط لغتنا حتى تختفي الفروق الدقيقة، أو نكتفي بثلاث كلمات لوصف كلّ ما نشعر به، فإننا لا نفقد طرقًا للتعبير فحسب. قد نفقد طرقًا للإحساس نفسه.
والحلقة تكتمل من الجهة الأخرى أيضًا. فنحن نحتاج لغة لكي نفهم أجسادنا، وأجسادنا ربما تتكلّم لغة لم نتعلّم قراءتها بعد. وبين اللغتين قد يقف الذكاء الاصطناعي مترجمًا: لا ليصنع قدرة ليست فينا، بل ليعيد وصلنا بقدرة كانت موجودة دائمًا.
وحين لا نجد الكلمة، يبقى لنا السؤال. فالسؤال هو ما يقوله الإنسان قبل أن يعرف، وهو أوّل لغة يتعلّم بها الجسد أن يفهم نفسه.
للاستزادة
- Lisa Feldman Barrett, How Emotions Are Made (2017)
- Lieberman et al., «Putting Feelings Into Words», Psychological Science (2007)
- Kashdan, Barrett & McKnight, «Unpacking Emotion Differentiation», Current Directions in Psychological Science (2015)
- Hauk, Johnsrude & Pulvermüller, «Somatotopic Representation of Action Words», Neuron (2004)
- Winawer et al., «Russian Blues Reveal Effects of Language on Color Discrimination», PNAS (2007)
- Fedorenko, Piantadosi & Gibson, «Language Is Primarily a Tool for Communication Rather Than Thought», Nature (2024)
- George Lakoff & Mark Johnson, Metaphors We Live By (1980)
- Varela, Thompson & Rosch, The Embodied Mind (1991)
- Antonio Damasio, Descartes' Error (1994)
- Lev Vygotsky, Thought and Language (1934)
- Maurice Merleau-Ponty, Phenomenology of Perception (1945)
- Ludwig Wittgenstein, Philosophical Investigations (1953)
- Durant et al., «Long-Term, Stochastic Editing of Regenerative Anatomy via Targeting Endogenous Bioelectric Gradients», Biophysical Journal (2017)
- Murugan et al., «Acute Multidrug Delivery via a Wearable Bioreactor Facilitates Long-Term Limb Regeneration and Functional Recovery in Adult Xenopus laevis», Science Advances (2022)
- Norbert Wiener, Cybernetics (1948)
- C. H. Waddington, The Strategy of the Genes (1957)
