عندما نتحدث عن السوشيال ميديا، نفترض غالبًا أن الناس تذهب إليها بحثًا عن الترفيه أو المعلومات أو مجرد تمضية الوقت. لكنني أعتقد أن هناك شيئًا أعمق يحدث في الخلفية. فربما لم يكن الناس يبحثون عن المحتوى أصلًا، بل كانوا يبحثون عن أشخاص.
نحن نتحدث كثيرًا عن حاجة الإنسان إلى أن يكون محبوبًا، لكننا ننسى أنه يحتاج أيضًا إلى أن يحب. يحتاج إلى أن يهتم بأحد، وأن يتابع أخباره، وأن يفرح لفرحه ويحزن لحزنه، وأن يشعر أن هناك أشخاصًا في هذا العالم يشغلون مساحة من قلبه واهتمامه.
في الماضي كانت هذه الحاجة تُشبع بصورة طبيعية. كانت العائلات أكبر، والجيران أقرب، والأقارب حاضرون في تفاصيل الحياة اليومية. كان الإنسان يستيقظ وهو يعلم أن يومه سيتقاطع مع حياة كثير من الناس. يعرف أخبارهم ويعرفون أخباره، ويشعر بأنه جزء من نسيج اجتماعي واسع يتحرك معه ويتحرك بداخله.
لكن شكل الحياة تغير. أصبحت البيوت أكثر هدوءًا، والعائلات أصغر، والعلاقات أقل حضورًا في الحياة اليومية. ليس بالضرورة لأن الحب اختفى، بل لأن الإيقاع نفسه تغير. أصبح كل شخص مشغولًا بعالمه ومسؤولياته ومشكلاته الخاصة. ووسط هذا التغير ظهرت مساحة جديدة داخل كثير من البشر؛ مساحة من الاهتمام والمشاركة لم تعد تجد منفذًا طبيعيًا كما كانت من قبل.
ثم جاءت السوشيال ميديا.
وللمرة الأولى أصبح بإمكان الإنسان أن يدخل يوميًا إلى حياة عشرات الأشخاص. يرى وجوههم باستمرار، يسمع أصواتهم، يعرف قصصهم، يتابع نجاحاتهم وإخفاقاتهم، ويراقب تفاصيل أيامهم الصغيرة. ومع مرور الوقت لا يعود الأمر مجرد مشاهدة. يبدأ نوع من الألفة في التشكل، ليس لأن هؤلاء الأشخاص أصبحوا أصدقاء حقيقيين، بل لأنهم أصبحوا جزءًا من المشهد اليومي للحياة.
فتجد أمًا كبيرة في السن تنتظر ظهور شخص اعتادت مشاهدة يومياته كل مساء. وتجد شخصًا يفرح عندما يحقق صانع محتوى نجاحًا جديدًا، أو يقلق عندما يختفي لفترة طويلة. من الخارج قد يبدو الأمر مجرد متابعة، لكن من الداخل هناك مشاعر حقيقية تتحرك. هناك اهتمام حقيقي، وتعاطف حقيقي، وإحساس بالمشاركة.
وربما لهذا السبب لم يكن نجاح السوشيال ميديا قائمًا فقط على جودة المحتوى. فالمحتوى وحده لا يفسر هذا الارتباط العاطفي الكبير الذي يتكون بين الناس ومن يتابعونهم. ما يحدث أعمق من ذلك. فهذه المنصات لم تقدم للناس فيديوهات أكثر، بل قدمت لهم بشرًا أكثر. قدمت لهم أشخاصًا يمكن أن يفرحوا لهم، ويتعاطفوا معهم، ويتابعوا رحلتهم، ويشعروا أنهم جزء منها.
عندما أرى والدتي تجلس لساعات تشاهد جولات الناس وحياتهم اليومية، لا أشعر أنها تبحث عن فيديو جديد بقدر ما أشعر أنها تستمتع بصحبة بشرية افتقدتها الحياة الحديثة. فهي لا تتابع الأماكن فقط، ولا الأحداث فقط، بل تتابع الناس أنفسهم. تفرح لهم، وتألفهم، وتشعر أنها تجلس بينهم ولو من خلف شاشة.
وربما هنا تكمن إحدى أهم الظواهر الإنسانية التي كشفتها السوشيال ميديا. فهي لم تخلق احتياجات جديدة داخل الإنسان، بل كشفت احتياجات قديمة كانت موجودة دائمًا. الحاجة إلى المشاركة، وإلى الاهتمام، وإلى الشعور بأن حياة الآخرين تمس حياتنا بطريقة ما.
لذلك قد يكون من الخطأ أن ننظر إلى كل هذا الارتباط على أنه مجرد إدمان للمحتوى. ففي كثير من الأحيان لا يكون المحتوى هو ما يجذب الناس أصلًا. ما يجذبهم هو ذلك الشعور الإنساني البسيط بأن هناك بشرًا حولهم، يشاركونهم الأيام، ويمنحونهم فرصة نادرة لأن يحبوا، ويهتموا، وينتموا مرة أخرى إلى عالم أكبر من حدود حياتهم اليومية.
