تقوم معظم التفسيرات الشائعة للسلوك الإنساني على افتراض أن الإنسان يسعى إلى تحقيق أهدافه. لكن من منظور بيولوجي قد يكون هذا الوصف غير دقيق تمامًا. فالأنظمة الحية لا تسعى إلى الأهداف بقدر ما تسعى إلى تحقيق أعلى عائد ممكن بأقل تكلفة ممكنة. ويظهر هذا المبدأ في كل مستويات الحياة، من حركة السوائل داخل الجسم إلى تنظيم استهلاك الطاقة داخل الخلايا، وصولًا إلى السلوك البشري المعقد.
إذا كان هذا الافتراض صحيحًا، فإنه يطرح سؤالًا مهمًا: ماذا يحدث عندما يصبح الوصول إلى المكافأة ممكنًا دون المرور بالعملية التي صُممت بيولوجيًا للوصول إليها؟
في الظروف الطبيعية ترتبط المكافآت بسلسلة من الأفعال. فالحصول على الطعام يتطلب البحث والحركة والاختيار. واكتساب المعرفة يتطلب القراءة والتجربة والتحليل. وتحقيق الإنجاز يتطلب التخطيط والتنفيذ والتعامل مع العقبات. وفي كل حالة لا تمثل المكافأة سوى المرحلة الأخيرة من سلسلة طويلة من العمليات التي تدرب أجهزة متعددة داخل الجسم والدماغ.
لكن التطور التكنولوجي والاجتماعي أتاح للإنسان عددًا متزايدًا من الاختصارات. فأصبح بالإمكان الوصول إلى المعلومة خلال ثوانٍ، والحصول على الترفيه فورًا، واستقبال جرعات مستمرة من التحفيز والمكافأة دون الحاجة إلى الجهد الذي كان مطلوبًا سابقًا. ونتيجة لذلك بدأ يظهر نمط جديد من العلاقة بين الإنسان والمكافأة، حيث تصبح النتيجة متاحة بدرجة أكبر من العملية التي كانت تؤدي إليها.
لا تكمن المشكلة في المكافأة نفسها، بل في الوظائف التي كانت تُبنى أثناء الطريق إليها. فالعضلات لا تنمو بسبب الوصول إلى الوجهة، بل بسبب الجهد المبذول للوصول إليها. والمهارات المعرفية لا تتطور بسبب امتلاك الإجابة، بل بسبب عملية البحث والتحليل التي تسبقها. كما أن القدرة على التحمل النفسي لا تنشأ من النجاح ذاته، بل من التعامل المتكرر مع الفشل والتحديات وعدم اليقين.
من هذا المنظور يمكن النظر إلى العديد من السلوكيات الحديثة باعتبارها فصلًا تدريجيًا بين المكافأة والعملية. فكلما أصبح الوصول إلى النتيجة أسرع، تراجع حجم التدريب الذي كانت توفره الرحلة المؤدية إليها. ومع مرور الوقت قد لا يفقد الإنسان قدرته مباشرة، لكنه يبدأ في تقليل استخدام بعض الأنظمة التي كانت تُفعَّل باستمرار في السابق.
يعرف علم الأحياء هذه الظاهرة بمبدأ بسيط: ما لا يُستخدم يضعف. فالجهاز العصبي يعيد توزيع موارده باستمرار وفقًا للوظائف المطلوبة منه. والمسارات العصبية التي تُستخدم بصورة متكررة تصبح أكثر كفاءة، بينما تتراجع أولوية المسارات الأقل استخدامًا. وينطبق الأمر نفسه على العضلات والمهارات والسلوكيات المعرفية.
بناءً على ذلك يمكن اقتراح فرضية أوسع: كلما تمكن الإنسان من الحصول على المكافأة مع تقليل المشاركة الفعلية في العملية التي تؤدي إليها، زاد احتمال تراجع بعض القدرات التي كانت تتطور أثناء تلك العملية. ولا يحدث هذا بسبب خلل أو مرض، بل باعتباره نتيجة طبيعية لقوانين التكيف البيولوجي.
إذا صحت هذه الفرضية، فإن التحدي الذي يواجه الإنسان المعاصر لا يتمثل في ندرة الموارد أو صعوبة الوصول إلى المكافآت، بل في وفرتها وسهولة الوصول إليها. فالمشكلة لم تعد في غياب النتائج، وإنما في غياب المراحل التي كانت تبني القدرات اللازمة لتحقيقها.
ومن هنا يبرز سؤال مختلف عن الأسئلة التقليدية المتعلقة بالإنتاجية أو الانضباط: ما هي القدرات التي نفقد تدريبها عندما نفصل المكافأة عن الطريق المؤدي إليها؟
قد يكون هذا السؤال أكثر أهمية من السؤال عن حجم المكافآت التي نحصل عليها. فالقيمة البيولوجية الحقيقية لأي نشاط لا تكمن فقط في النتيجة النهائية، بل في نوع الإنسان الذي يتشكل أثناء السعي إليها.
وبالتالي فإن الحفاظ على القدرات لا يعتمد فقط على تحقيق الأهداف، بل على الاستمرار في ممارسة العمليات التي بُنيت تلك القدرات من خلالها. فالمكافأة قد تمنح شعورًا بالإنجاز، لكن الطريق هو الذي يبني الكفاءة. وعندما يصبح الوصول إلى النتيجة ممكنًا دون المرور بالطريق، قد يحتفظ الإنسان بالمكافأة، لكنه يخاطر بفقدان جزء من الوظائف التي كانت الرحلة نفسها تطورها وتحافظ عليها.
