ربما يكون أحد أكبر أخطائنا في فهم الجسد أننا نتعامل معه كما لو كان آلة صامتة.

آلة يمكن قياسها، تصويرها، تحليل مكوناتها، وإصلاح الأجزاء التي تتعطل فيها.

لكن الجسد لا يتصرف كآلة بسيطة.

جرح صغير لا ينتظر طبيبًا ليخبر الخلايا بما يجب فعله. يبدأ النسيج فورًا في سلسلة معقدة من التغييرات: إشارات، التهاب، حركة خلايا، تكوين أوعية، إعادة بناء، ثم توقف.

الجنين لا يحتاج إلى مهندس خارجي يضع كل خلية في مكانها.

والكبد، بعد فقد جزء منه ضمن حدود معينة، يستطيع استعادة قدر كبير من كتلته ووظيفته.

والكائنات القادرة على التجدد تستطيع أحيانًا إعادة بناء أجزاء فقدت بالكامل.

في كل هذه الحالات يحدث شيء يستحق التوقف أمامه:

النظام لا يتغير فقط.
إنه يتغير في اتجاه.

هناك حالة حالية.

ثم يحدث اضطراب.

ثم تبدأ مجموعة هائلة من العمليات المحلية في العمل بطريقة تؤدي، بدرجات مختلفة من النجاح، إلى استعادة بنية أو وظيفة معينة.

هذا ليس اكتشافًا فلسفيًا جديدًا. علم التحكم، أو cybernetics، بُني أصلًا حول فكرة أن الأنظمة يمكن أن تستخدم التغذية الراجعة لمقارنة حالتها الحالية بحالة مرجعية وتصحيح الانحراف عنها.

لكن البيولوجيا تجعل السؤال أكثر تعقيدًا بكثير.

لأننا لا نتحدث عن thermostat يحافظ على درجة حرارة.

نحن نتحدث عن مليارات الخلايا التي تبني جسدًا كاملًا، وتحافظ عليه، وتصلحه، وتتعاون عبر مستويات متعددة في الوقت نفسه.

وهنا يظهر السؤال الذي قد يصبح واحدًا من أهم أسئلة البيولوجيا في العقود القادمة:

كيف يعرف النظام الحي إلى ماذا يجب أن يعود؟


الإشارة ليست بالضرورة هي المعنى

نعرف الكثير عن الطريقة التي تتواصل بها الخلايا.

هناك مواد كيميائية.

هرمونات.

ناقلات عصبية.

تدرجات جزيئية.

قوى ميكانيكية.

وإشارات كهربائية حيوية.

والكهرباء الحيوية تحديدًا لم تعد محصورة في الأعصاب والعضلات كما يتصور كثيرون. جميع الخلايا تقريبًا تحافظ على فروق في الجهد عبر أغشيتها، وهناك أدلة متزايدة على أن الأنماط الكهربائية الحيوية تشارك في التطور، والتجدد، وتنظيم شكل الأنسجة. أبحاث في هذا المجال تدرس بالفعل كيف يمكن لشبكات الخلايا أن تخزن معلومات متعلقة بالنمط والشكل، وكيف يمكن للتلاعب بالإشارات الكهربائية أن يؤثر في نتائج مورفولوجية واسعة. [مرجع يحتاج إلى استكمال: 1]

لكن هنا يجب أن نفرق بين الإشارة والمعنى.

الصوت ينقل اللغة البشرية.

لكن اللغة ليست مجرد اهتزازات في الهواء.

يمكنني أن أقول الجملة نفسها بصوت مرتفع أو منخفض.

يمكنني كتابتها بدل نطقها.

يمكنني ترجمتها إلى لغة أخرى.

يتغير الوسيط، لكن جزءًا من المعنى يبقى.

فهل يمكن أن يحدث شيء مشابه في البيولوجيا؟

هل الكهرباء والكيمياء والقوى الميكانيكية هي اللغة نفسها؟

أم أنها مجرد القنوات التي تنقل شيئًا أعمق؟

السؤال ليس محسومًا، ولا يوجد دليل علمي اليوم على وجود “لغة بيولوجية موحدة” تشبه اللغة البشرية.

لكن هناك سبب وجيه لطرح السؤال.

أبحاث التكوّن والتجدد لا تدرس فقط أي جزيء يفعل ماذا، بل أيضًا كيف تنسق الخلايا سلوكها للوصول إلى نتائج واسعة النطاق، وكيف تُخزن وتُستخدم المعلومات المتعلقة بالشكل والتنظيم عبر الأنسجة. مختبرات مثل مجموعة Michael Levin في Tufts تصف أحد محاور عملها تحديدًا بأنه فهم المعلومات المورفولوجية، والتواصل الكهربائي الحيوي بين الخلايا، والتنظيم واسع النطاق للنمو والشكل. [مرجع يحتاج إلى استكمال: 2]

وهنا يصبح الفرق مهمًا:

ربما نكون جيدين جدًا في قياس الأحرف، لكننا لم نفهم الجملة كاملة بعد.


الجسد لا يعمل على مستوى واحد

لنأخذ مثالًا بسيطًا.

الخلية لها احتياجاتها الخاصة.

تحافظ على غشائها.

تدير الطاقة.

تتفاعل مع بيئتها.

لكنها في الكائن متعدد الخلايا ليست كيانًا مستقلًا بالكامل.

قد تقوم الخلية بشيء لا يفيدها شخصيًا لأنه يخدم النسيج.

والنسيج يخدم العضو.

والعضو يعمل داخل احتياجات الجسم كله.

بل إن السرطان يمكن النظر إليه، من زاوية معينة، كحالة تنجح فيها خلايا محليًا في البقاء والتكاثر بينما تكون النتيجة كارثية على الكائن ككل.

أي أن كلمة “الهدف” نفسها لا تكفي.

هناك أهداف على مستويات مختلفة.

وقد تتوافق.

وقد تتعارض.

ولهذا، إذا أردنا يومًا أن نتواصل مع البيولوجيا، فلن يكون كافيًا أن نقول:

“زد النمو.”

لأن النمو بلا سياق قد يكون ورمًا.

ولا:

“أوقف الألم.”

لأن الألم قد يكون نظام إنذار ضروريًا.

ولا:

“أوقف الالتهاب.”

لأن الالتهاب قد يكون جزءًا من عملية إصلاح أو دفاع.

الطلب الصحيح ليس فقط أكثر دقة لغويًا.

يجب أن يفهم المستوى الذي يعمل عليه النظام والهدف الأكبر الذي ينتمي إليه.


هنا يصبح الذكاء الاصطناعي مهمًا بطريقة مختلفة

معظم النقاش الحالي حول AI يفترض أنه سيصبح أداة أفضل للإجابة عن أسئلتنا.

لكن ربما تكون إحدى وظائفه المستقبلية الأكثر إثارة ليست الإجابة.

بل الترجمة بين مستويات لا يستطيع العقل البشري التعامل معها مباشرة.

تخيل نظامًا يستطيع في الوقت نفسه قراءة:

النشاط الكهربائي للخلايا.

الإشارات الكيميائية.

التعبير الجيني.

القوى الميكانيكية.

حالة الأعصاب.

المناعة.

تدفق الدم.

والتاريخ السابق للنسيج.

الإنسان لا يستطيع الاحتفاظ بكل هذه المتغيرات في عقله.

لكن نظام AI يمكنه البحث عن الأنماط بينها.

بل ظهرت بالفعل أعمال تستكشف استخدام الذكاء الاصطناعي والنماذج الحسابية في فهم التحكم الخلوي والمورفولوجي، بما في ذلك محاولات تربط أوصافًا عالية المستوى بتدخلات في أنظمة خلوية محاكاة. هذه ما تزال أبحاثًا مبكرة جدًا، لكنها تشير إلى اتجاه واضح: الانتقال من مجرد وصف المكونات إلى محاولة فهم كيفية التحكم في السلوك الجماعي للأنظمة الحية. [مرجع يحتاج إلى استكمال: 3]

وهنا يمكن تخيل خطوة أبعد.

ليس:

AI → يأمر الخلية.

بل:

نية الإنسان → AI → ترجمة إلى مجموعة تدخلات وfeedback loops → استجابة الجسم → AI يقرأ الاستجابة → يصحح الترجمة.

أي أن التفاعل يصبح حوارًا.


ماذا لو قلنا للجسم ما نريده؟

لنتخيل أننا نريد استعادة وظيفة يد مصابة.

الطريقة الساذجة ستكون أن نقول:

“أصلح اليد.”

لكن ما معنى الإصلاح؟

شكلها السابق؟

القوة؟

الإحساس؟

الحركة الدقيقة؟

الأعصاب؟

الأوعية؟

الألم؟

هل نعيدها إلى ما كانت عليه قبل الإصابة؟

وماذا لو كان بعض النسيج قد تغير بطريقة تجعل العودة الحرفية غير ممكنة؟

إذن النية البشرية نفسها تحتاج إلى ترجمة.

قد يصبح دور AI هو أخذ هدف عالي المستوى:

“استعادة الوظيفة الطبيعية بأكبر قدر ممكن مع الحفاظ على سلامة بقية النظام.”

ثم تحويله إلى سلسلة من الأهداف الأصغر على مستويات مختلفة.

لكن هناك مشكلة تسبق كل ذلك:

هل الجسم أصلًا يمتلك تمثيلًا ما للحالة التي ينبغي استعادتها؟

في بعض أنظمة التجدد، تبدو الخلايا قادرة على إنتاج بنية منظمة رغم اضطرابات كبيرة، وهذا أحد أسباب اهتمام باحثين بمفاهيم مثل “pattern memory” والتنظيم واسع النطاق للمورفولوجيا. لكن كلمة memory هنا لا تعني بالضرورة ذاكرة واعية أو صورة صغيرة مخزنة في خلية. إنها طريقة لمحاولة فهم كيف يمكن لنظام موزع أن يعود مرارًا إلى نطاق معين من الأشكال والوظائف. [مرجع يحتاج إلى استكمال: 4]

وهنا نصل إلى السؤال الأكثر إثارة:

أين يوجد “الشكل الصحيح”؟

ربما لا يوجد في مكان واحد أصلًا.

ربما هو موزع عبر شبكة من العلاقات.

ربما ينتج من الديناميكيات نفسها.

وربما نحتاج إلى مفاهيم جديدة بالكامل لوصفه.


وربما اللغة التي نبحث عنها ليست لغة أوامر

قد يكون من الخطأ أصلًا أن نتخيل مستقبلًا نقول فيه للجسم:

“افعل هذا.”

ربما النموذج الأقرب هو:

“ما الذي تحاول الوصول إليه؟”

ثم:

“ما الذي يمنعك؟”

ثم:

“كيف يمكننا مساعدتك على إكمال العملية؟”

هذا يغيّر الطب بصورة جذرية.

بدل أن يكون السؤال الوحيد:

ما الذي يسبب العرض؟

نضيف سؤالًا آخر:

ما الذي يحاول النظام فعله عندما ينتج هذا العرض؟

بالطبع ليس كل عرض مفيدًا.

وليس كل مرض “محاولة شفاء”.

التنظيم البيولوجي يمكن أن يفشل.

يمكن أن يدخل في حلقات مدمرة.

يمكن للمناعة أن تهاجم الجسم.

يمكن للخلية أن تتصرف بما يخدم بقاءها ويضر الكائن كله.

لكن حتى هذه الحالات تصبح أكثر إثارة إذا فكرنا فيها كصراعات بين مستويات مختلفة من التنظيم بدل اعتبار الجسم مجرد مجموعة أجزاء تعطلت بصورة منفصلة.


وماذا عن اللغة البشرية؟

هنا نعود إلى اللغة.

إذا أصبحت أنظمة AI هي الوسيط بين الإنسان والأنظمة المعقدة من حوله، فإن اللغة تصبح طبقة عليا لتحديد النية.

لكن كلما ازدادت قوة ما يستطيع AI تنفيذه، أصبحت دقة اللغة أكثر أهمية.

“أزل الألم” ليس مثل “عالج مصدر الألم مع الحفاظ على الوظيفة الوقائية للإحساس.”

“زد النمو” ليس مثل “استعد البنية السابقة مع الحفاظ على حدود النمو الطبيعية.”

في المستقبل، قد تصبح اللغة الطبيعية نوعًا من أعلى مستويات البرمجة:

ليست لأنها تنفذ الأشياء بنفسها.

بل لأنها تعبّر عن الهدف، بينما تقوم الأنظمة الذكية بترجمة هذا الهدف إلى آلاف الطبقات التقنية والبيولوجية تحته.

وعندها لن تكون أكبر مهارة للإنسان معرفة كل المعادلات التي يستخدمها النظام.

بل معرفة:

ماذا يقصد فعلًا؟


لكن هناك سؤالًا أكبر من التكنولوجيا

حتى الآن يمكن أن يبقى المقال بالكامل داخل العلم.

الأنظمة الحية تستخدم feedback.

الخلايا تتواصل.

الإشارات الكهربائية الحيوية تلعب أدوارًا في تنظيم النمو والشكل.

هناك أبحاث حقيقية في التجدد، والتكوّن، والمعلومات الحيوية متعددة المستويات. [مرجع يحتاج إلى استكمال: 5]

لكن إذا استطعنا يومًا أن نكشف بنية أعمق لهذه العملية، فسيظهر سؤال لا يستطيع العلم وحده أن يحسمه.

إذا كانت الحياة تحتوي على نظم قادرة على الحفاظ على حالات، واستعادة أنماط، والتنسيق عبر مستويات متعددة...

فما أصل هذا النظام؟

العلم يستطيع أن يسأل:

كيف ظهرت هذه الآلية؟

كيف تطورت؟

ما الذي تنتقيه البيئة؟

كيف تنتقل المعلومات؟

ما القوانين الفيزيائية التي تسمح بها؟

وهذه أسئلة أساسية.

لكن الإنسان قد يسأل أيضًا سؤالًا مختلفًا:

لماذا يوجد أصلًا عالم يمكن فيه للمادة أن تنتظم إلى حياة قادرة على حفظ بنيتها، إصلاح نفسها، والتصرف كما لو أن بعض الحالات أفضل من حالات أخرى؟

هنا ندخل الفلسفة.

وهنا يدخل سؤال الله.

ليس باعتباره فجوة نضع فيها ما لا نعرفه.

ولا باعتباره نتيجة تجربة معملية.

بل كسؤال عن المصدر النهائي للنظام والمعنى والغاية.

قد يرى شخص في هذا كله نتيجة تطور طويل لأنظمة تنظيمية معقدة.

وقد يرى آخر أن القدرة نفسها على ظهور حياة تحمل هذا النوع من التنظيم تشير إلى نظام أعمق في الوجود.

وقد يجمع شخص ثالث بين الاثنين، ويرى التطور ذاته كجزء من طريقة عمل خلق أوسع.

العلم وحده لا يفرض إحدى هذه الإجابات.

لكن العلم قد يجعل السؤال أكثر عمقًا مما كان.


ربما لم نكن نبحث عن لغة جديدة

ربما أكبر تحول سيأتي عندما نتوقف عن التفكير في أننا سنخلق لغة تمكّننا من السيطرة على الحياة.

ونبدأ التفكير في احتمال مختلف:

أن الحياة تتحدث بالفعل.

أن الإشارات الكهربائية والكيميائية والميكانيكية ليست مجرد ضوضاء في آلة حية.

بل أجزاء من نظام تواصل وتنظيم لم نفهمه بالكامل بعد.

وأن الذكاء الاصطناعي قد يصبح أول أداة قادرة على الاستماع إلى عدد كافٍ من هذه الإشارات في الوقت نفسه كي يكتشف قواعد لم يكن العقل البشري قادرًا على رؤيتها.

وحينها لن يكون الإنجاز:

“لقد علّمنا الخلايا ماذا تفعل.”

بل ربما:

“تعلمنا أخيرًا كيف نسألها ماذا كانت تحاول أن تفعل طوال الوقت.”

وقد تكون المفاجأة الأكبر بعد ذلك أن اللغة التي نكتشفها لم تبدأ معنا.

ولا مع الذكاء الاصطناعي.

ولا حتى مع أول إنسان حاول فهمها.

ربما كانت هناك منذ أن بدأت الحياة نفسها.

وفي هذه الحالة، لن يكون السؤال الأخير:

كيف نكتب لغة الحياة؟

بل:

من كتب اللغة الأولى؟