اعتدنا النظر إلى الأشياء المادية بوصفها كيانات مستقلة تُعرّف بخصائصها الفيزيائية. فالقفاز البلاستيكي هو قطعة من البلاستيك، والكتاب مجموعة من الأوراق، والمنزل بناء من الخرسانة والحجر. لكن هذه الطريقة في النظر قد تكون أقرب إلى وصف المادة منها إلى وصف التجربة الإنسانية.

فالإنسان لا يتعامل مع الأشياء كما هي، بل كما يمكن أن تكون.

عندما ينظر شخص إلى قطعة أرض فارغة، فهو لا يرى مجرد مساحة من التراب. بل يرى منزلًا محتملًا، أو مشروعًا محتملًا، أو مصدر دخل محتملًا. وعندما تنظر أم إلى طفلها، فهي لا تدرك فقط الكائن الموجود أمامها، بل تدرك شبكة واسعة من الإمكانيات المستقبلية التي قد يتطور إليها هذا الكائن.

يبدو وكأن الإدراك البشري لا يتعامل مع الواقع بوصفه مجموعة من الوقائع الثابتة، بل بوصفه مجموعة من الإمكانيات الكامنة.

في علم النفس الإدراكي الحديث، هناك تزايد في الاهتمام بفكرة أن الدماغ ليس جهازًا لتسجيل الواقع بقدر ما هو جهاز لتوقعه. فوظيفة الدماغ الأساسية ليست معرفة ما هو موجود فقط، بل تقدير ما يمكن أن يوجد لاحقًا. ولهذا فإن الإنسان يعيش داخل عالم من الاحتمالات بقدر ما يعيش داخل عالم من الأشياء.

لكن إذا كان الدماغ قادرًا على تمثيل الإمكانيات، فهل يستطيع أيضًا أن يُسقط هذه الإمكانيات على الأشياء المادية؟

بمعنى آخر، هل يمكن أن تتحول الأشياء إلى أوعية تحفظ احتمالات مستقبلية؟

عندما يحتفظ شخص بقفاز بلاستيكي قد لا يستخدمه أبدًا، فإن القيمة العملية للقفاز تكاد تكون معدومة. ومع ذلك يشعر أن التخلص منه يختلف نفسيًا عن الاحتفاظ به. السبب ليس في القفاز ذاته، بل في الإمكانيات المرتبطة به. فالقفاز الموجود في الدرج ما زال يمتلك مستقبلًا مفتوحًا، بينما القفاز الموجود في القمامة فقد جميع مساراته المستقبلية.

من هذا المنظور، قد لا يكون الاحتفاظ بالشيء احتفاظًا بالمادة، بل احتفاظًا بالإمكان.

وهنا تصبح المسألة أكثر تعقيدًا عندما ننتقل من الأشياء إلى البشر.

فالإنسان لا يُسقط الإمكانيات على الأشياء فقط، بل على الأشخاص أيضًا.

جزء كبير من العلاقات الإنسانية قائم على التعامل مع الإمكانيات الكامنة داخل الآخر. فالمعلم يستثمر في الطالب لأنه يرى ما يمكن أن يصبح عليه. والوالدان يضحيان من أجل الأبناء لأنهما يتعاملان مع مستقبل لم يوجد بعد. وحتى الحب نفسه قد يكون، جزئيًا، ارتباطًا بصورة مستقبلية بقدر ما هو ارتباط بالشخص الحالي.

إذا صح ذلك، فإن الإنسان لا يعيش في الحاضر وحده، بل يعيش داخل شبكة من الإمكانيات التي يحملها معه باستمرار.

وهنا تظهر قراءة مختلفة لبعض الظواهر الثقافية القديمة مثل الحسد أو السحر أو البركة.

فبدل النظر إليها مباشرة كقوى غيبية أو رفضها بالكامل بوصفها خرافات، يمكن التساؤل عما إذا كانت هذه المفاهيم تحاول وصف ظاهرة نفسية أعمق: قدرة الإنسان على ربط أشخاص أو أشياء بمسارات مستقبلية معينة.

فالبركة، في أحد أوجهها، قد تُفهم بوصفها تضخيمًا للإمكانات المتاحة لشيء ما. والسحر، في أحد أوجهه النفسية، قد يُفهم بوصفه تقييدًا للإمكانات أو حصرًا للانتباه داخل مجموعة محددة من التوقعات.

ليست هذه محاولة لإثبات أو نفي البعد الغيبي لهذه المفاهيم، بل محاولة لفهم السبب الذي يجعلها حاضرة في الوعي الإنساني عبر آلاف السنين.

ربما لأن الإنسان، قبل أن يكون كائنًا يتعامل مع الأشياء، هو كائن يتعامل مع الإمكانيات.

وربما لهذا السبب لا نحمل معنا الأشياء فقط، بل نحمل أيضًا مستقبلاتها المحتملة. بل قد يكون جزء كبير من حياتنا النفسية قائمًا على إدارة الإمكانيات التي نسمح لها بالبقاء حية داخل الأشياء، وداخل الآخرين، وداخل أنفسنا.