الحيوية بوصفها استثمارًا في المستقبل ## نحو فرضية جديدة لفهم الوظيفة البيولوجية والمرض

الملخص

يقيس الطب الحديث معظم أعضاء الجسم من خلال أدائها في اللحظة الراهنة. فنحن نصف القلب بقدرته على ضخ الدم، والكبد بكفاءته الأيضية، والدماغ بوظائفه العصبية، ونحدد المرض عندما تنخفض هذه الكفاءة. لكن هذا المنظور يصف ما يفعله العضو الآن، ولا يجيب بالضرورة عن سؤال آخر: كيف يحافظ العضو على قدرته على الاستمرار في أداء وظيفته مستقبلًا؟

يقترح هذا المقال فرضية مفاهيمية مفادها أن الحيوية ليست مجرد كفاءة آنية، وإنما تمثل قدرة النظام الحيوي على الاستثمار المستمر في إمكاناته المستقبلية. ومن هذا المنطلق، قد لا يكون المرض دائمًا بداية انهيار الوظيفة، بل قد يكون بداية تراجع الاستثمار البيولوجي في تلك الوظيفة قبل أن يظهر الخلل سريريًا.

لا يقدم هذا المقال حقيقة مثبتة، وإنما إطارًا نظريًا جديدًا يمكن اختباره علميًا.


الملاحظة

عندما يحتفظ الإنسان بشيء بسيط، كشوكة بلاستيكية بعد وجبة سريعة، فهو لا يحتفظ بالبلاستيك ذاته، وإنما يحتفظ باحتمال استخدامه في المستقبل.

في اللحظة التي يضع فيها تلك الشوكة داخل الدرج، يكون قد خلق علاقة جديدة بين الحاضر والمستقبل. أصبحت الشوكة جزءًا من مستقبل لم يحدث بعد.

هذه الملاحظة تبدو بسيطة، لكنها تطرح سؤالًا أكثر عمقًا.

إذا كان العقل قادرًا على الاحتفاظ بإمكانات مستقبلية، فهل يمكن أن يكون الجسم بأكمله يعمل بالمبدأ نفسه؟


السؤال

الجسم ليس مجموعة أعضاء تعمل بصورة مستقلة، بل نظام شديد التنظيم.

القلب لا يعمل لنفسه.

والرئة لا تتنفس لنفسها.

والكبد لا ينقّي الدم من أجل الكبد.

كل عضو يؤدي وظيفة داخل مشروع أكبر هو استمرار الكائن الحي.

لكن لماذا تفقد بعض الأنسجة حيويتها بينما تستمر بقية الأنسجة في العمل؟

لماذا ينهار عضو بعينه، في حين تبقى بقية المنظومة سليمة نسبيًا؟

هل يكفي أن نقول إن السبب هو طفرة جينية، أو التهاب، أو اضطراب مناعي؟

أم أن هذه الأحداث تمثل المرحلة الأخيرة من قصة بدأت قبل ذلك بزمن؟


الفرضية

أقترح أن الأنظمة الحية لا تنظم نفسها وفق احتياجات الحاضر فقط، وإنما وفق صورة متوقعة للمستقبل.

حين يظهر هدف جديد، أو تحدٍ جديد، أو حالة مستقبلية تستدعي الاستعداد، يبدأ الجسم في إعادة توزيع موارده.

ليس لأن المستقبل حدث بالفعل، وإنما لأنه أصبح ذا قيمة بيولوجية.

أقترح أن الدماغ، أو النظام المنظم الأعلى، يبني ما يمكن تشبيهه بـ Specification Sheet للحالة المستقبلية المطلوبة.

هذا الوصف ليس مكانًا تشريحيًا داخل الدماغ، ولا وثيقة حقيقية، وإنما نموذج تنظيمي يحدد:

  • ما الموارد المطلوبة.
  • وما الأعضاء الأكثر مساهمة.
  • وما الوظائف التي يجب تعزيزها.
  • وما الاحتياطي الذي ينبغي الحفاظ عليه.

منذ تلك اللحظة، يبدأ الجسم في الاستثمار.


الاستثمار البيولوجي

في الاقتصاد، لا تكتسب الموارد قيمتها لأنها موجودة، بل لأن هناك مشروعًا سيستخدمها.

والجسم، في هذه الفرضية، يعمل بالطريقة نفسها.

البروتين لا قيمة له في ذاته.

والجلوكوز لا قيمة له في ذاته.

والخلايا لا قيمة لها في ذاتها.

قيمتها تنبع من الوظيفة المستقبلية التي ستشارك في تحقيقها.

إذا وُجد مشروع بيولوجي واضح، استثمر الجسم في الموارد اللازمة له.

أما إذا غابت الحاجة المستقبلية، فإن الاحتفاظ بالموارد يصبح عبئًا يجب التخلص منه أو إعادة توجيهه.


قيمة العضو

تفترض هذه النظرية أن قيمة العضو ليست ثابتة.

إنما تتغير تبعًا لمقدار مساهمته في تحقيق الحالة المستقبلية التي ينظم الجسم نفسه حولها.

فالعضلات تصبح أكثر أهمية أثناء التدريب.

والذاكرة تصبح أكثر أهمية أثناء التعلم.

والجهاز المناعي يصبح أكثر أهمية أثناء العدوى.

لكن السؤال الذي تطرحه هذه الفرضية هو:

هل توجد أعضاء ينخفض الاستثمار فيها لأن النظام الحيوي لم يعد يرى لها مساهمة مستقبلية كافية؟

وإذا حدث ذلك، فهل يكون هذا الانخفاض هو البداية الحقيقية لفقدان الحيوية؟


المرض بوصفه انخفاضًا في الاستثمار

لا تدّعي هذه الفرضية أن الأمراض سببها غياب الأهداف، ولا أن التفكير وحده يغير البيولوجيا.

بل تقترح احتمالًا مختلفًا.

ربما يسبق المرض انخفاضٌ في استعداد النظام الحيوي للاستثمار في عضو معين.

أي أن العضو لا يبدأ بالمرض لأنه ضعيف، بل يصبح ضعيفًا لأن الاستثمار المستقبلي فيه بدأ يتراجع.

إذا كانت هذه الفرضية صحيحة، فقد يكون انخفاض الوظيفة الذي نقيسه اليوم مجرد النتيجة الأخيرة لسلسلة من التغيرات التنظيمية بدأت قبل ذلك بكثير.


التنبؤات

إذا كانت هذه الفرضية صحيحة، فينبغي أن نستطيع مستقبلاً اختبارها.

فمثلًا، قد نتوقع أن توجد مؤشرات حيوية تكشف انخفاض الاستثمار البيولوجي في عضو معين قبل ظهور التغيرات المرضية التقليدية.

وقد نتوقع أيضًا أن يؤدي تحفيز أعضاء مختلفة عبر أنشطة وأهداف متنوعة إلى الحفاظ على احتياطها الوظيفي بصورة أفضل من الاقتصار على نمط واحد من الاستخدام.

هذه ليست نتائج، وإنما تنبؤات يمكن إخضاعها للدراسة.


العلاقة بالأدبيات العلمية

لا تبدأ هذه الفرضية من فراغ.

فالعلم الحديث يبين أن الجسم يتوقع الاحتياجات المستقبلية، ويعيد توزيع موارده بصورة استباقية، ويحافظ على احتياطي وظيفي في كثير من الأنسجة.

كما تناقش أدبيات مثل Predictive Processing وAllostasis فكرة أن التنظيم البيولوجي لا يقتصر على الاستجابة للحاضر.

لكن الفرضية المطروحة هنا تختلف في نقطة محددة.

فهي لا تتعامل مع هذه الظواهر بوصفها عمليات منفصلة، وإنما تقترح أنها قد تكون تعبيرات مختلفة عن مبدأ تنظيمي واحد هو الاستثمار البيولوجي في المستقبل.

وهذا الاقتراح ما يزال فرضية تحتاج إلى اختبار، وليس استنتاجًا مؤكدًا.


تأمل أخير

ربما اعتدنا أن نسأل: كيف يعيش النسيج؟

لكن ربما يكون السؤال الأكثر أهمية هو:

لماذا يختار الجسم أن يستثمر في هذا النسيج أصلًا؟

إذا كان هذا السؤال صحيحًا، فقد تتغير الطريقة التي ننظر بها إلى الحيوية نفسها.

لن تصبح الحيوية مجرد قدرة على العمل.

بل قدرة على الاحتفاظ بمستقبل يستحق أن يُستثمر فيه.

وقد يكون المرض، في بعض حالاته، ليس فقدان الوظيفة فقط، بل بداية فقدان ذلك المستقبل.